ابن رشد

150

تهافت التهافت

الواحد في مكانين وعلى الجملة لا يعرف بالضرورة ولا بالنظر . وما المانع من أن يقال المبدأ الأول عالم قادر مريد يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد يخلق المختلفات والمتجانسات كما يريد وعلى ما يريد فاستحالة هذا لا يعرف بضرورة ولا نظر ، وقد ورد به الأنبياء المؤيدون بالمعجزات فيجب قبوله . وأما البحث عن كيفية صدور الفعل من اللّه تعالى بالإرادة ففضول وطمع في غير مطمع ، والذين طمعوا في طلب مناسبته ومعرفته رجع حاصل نظر هم إلى أن المعلول الأول من حيث أنه ممكن الوجود صدر منه فلك ومن حيث أنه يعقل نفسه صدر منه نفس الفلك فهذه حماقة لا إظهار مناسبة . فلنقبل مبادئ هذه الأمور من الأنبياء صلوات اللّه عليهم وليصدقوا فيها إذ العقل لا يحيلها ولنترك البحث عن الكيفية والكمية والماهية فليس ذلك بما يتسع له القوى البشرية ولذلك قال صاحب الشرع تفكروا في خلق اللّه ولا تتفكروا في ذات اللّه . قلت قوله : أن كل ما قصرت عن إدراكه العقول الإنسانية فواجب أن نرجع فيه إلى الشرع حق . وذلك أن العلم المتلقى من قبل الوحي إنما جاء متمما لعلوم العقل ؛ أعني أن كل ما عجز عنه العقل أفاده اللّه تعالى الإنسان من قبل الوحي ، والعجز عن المدارك الضروري علمها في حياة الإنسان ، ووجوده منها ما هو عجز بإطلاق ، أي ليس في طبيعة العقل أن يدرك بما هو عقل ، ومنها ما هو عجز بحسب طبيعة صنف من الناس ، وهذا العجز إما أن يكون في أصل الفطرة ، وإما أن يكون لأمر عارض من خارج ، من عدم تعلم وعلم الوحي رحمة لجميع هذه الأصناف . وأما قوله : وإنما غرضنا أن نشوش دعاويهم وقد حصل . فإنه لا يليق هذا الغرض به ، وهي هفوة من هفوات العالم ، فإن العالم بما هو عالم إنما قصده طلب الحق لا إيقاع الشكوك وتحيير العقول . وقوله : فإنه ليس يعرف استحالة صدور اثنين عن واحد كما يعرف استحالة كون الشخص الواحد في مكانين . فإنه وإن لم يكن هاتان المقدمتان في مرتبة واحدة من التصديق فليس يخرج كون المقدمة القائلة أن الواحد البسيط لا يصدر عنه إلا واحد بسيط من أن تكون يقينية في الشاهد . والمقدمات اليقينية تتفاضل على ما تبين في كتاب البرهان ، والسبب في ذلك أن المقدمات اليقينية إذا ساعدها الخيال قوي التصديق فيها ، وإذا لم يساعدها الخيال ضعف والخيال غير معتبر إلا عند الجمهور ، ولذلك من ارتاض بالمعقولات واطرح التخيلات ، فالمقدمتان في